سيد محمد طنطاوي

300

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

2 - ضربات الرومان - في ذاتها - كانت أشد وأقسى على بني إسرائيل . من ضربات « بختنصر » لهم . فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة « تيطس » بلغ مليون قتيل ، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير « 1 » . بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد « بختنصر » كان أقل من هذا العدد بكثير . ولقد وصف المؤرخون النكبة التي أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم . يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد « تيطس » الروماني : كان « تيطس » في الثلاثين من عمره ، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه ، بعد أن بدأت المدينة تعاني من أهوال الحصار . وبعد أن اقتحم « تيطس » وجنوده المدينة ، أصدر أمره إليهم : أن احرقوا وانهبوا واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم ، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه ، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال : ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا ، وسيحل الغضب على أهلها ، وسيسقطون صرعى على حد السيف ، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر ، وستطأ أورشليم الأقدام « 2 » . 3 - النكبة التي أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التي أنزلها بختنصر بهم . لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم في الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى ، بمساعدة « قورش » ملك الفرس ، الذي انتصر على « بختنصر » سنة 538 ق . م تقريبا ، وبدؤا يتكاثرون من جديد . أما بعد تنكيل « تيطس » بهم فلم تقم لهم قائمة ، ومزقوا في الأرض شر ممزق ، وانقطع دابرهم كأمة . وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه « تيطس » بهم من ضربات : إلى هنا ينتهى تاريخ الإسرائيليين كأمة ، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد « تيطس » تفرقوا في جميع بلاد اللَّه ، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التي توطنوها أو نزلوا فيها « 3 » . . .

--> ( 1 ) من كتاب « تاريخ الإسرائيليين » ص 76 لشاهين مكاريوس . ( 2 ) من مقال للأستاذ عمر طلعت زهران عنوانه « تدمير أورشليم » نشر بمجلة الأزهر المجلد 21 ص 47 . ( 3 ) تاريخ الإسرائيليين ص 77 لشاهين مكاريوس .